الناسور بين المستقيم ومجرى البول: الأسباب والعلاج
يبحث عنه المرضى أيضًا بـ: ناسور المستقيم والإحليل، خروج البول من الشرج، خروج غازات مع البول، ناسور بعد علاج البروستات، ناسور بين المستقيم ومجرى البول، يطلع هواء مع البول، براز مع البول، Rectourethral Fistula
ما هو الناسور بين المستقيم ومجرى البول؟
الناسور بين المستقيم ومجرى البول (Rectourethral Fistula) هو الناسور الذي يتكوّن بين جدار المستقيم ومجرى البول (الإحليل)، فينشأ مسار مفتوح بين عضوين يفصل بينهما عادةً حاجز نسيجي رقيق في عمق الحوض. ونتيجة هذا الاتصال يمرّ محتوى المستقيم من غازات وفضلات إلى مجرى البول والمثانة، ويمرّ البول في الاتجاه المعاكس إلى المستقيم.
وهذه الحالة غير شائعة، لكنها مُرهقة للمريض ومعقدة من الناحية الترميمية؛ فهي تقع في منطقة ضيقة عميقة، وتجمع بين الجهازين البولي والهضمي، وكثيرًا ما تنشأ في أنسجة سبق أن تعرّضت لجراحة أو إشعاع. ولهذا تُدار عادةً ضمن فريق متعدد التخصصات يضم جراح المسالك البولية الترميمي وجراح القولون والمستقيم، وأحيانًا طبيب الأورام وجراح التجميل الترميمي.
الأعراض
الأعراض هنا مميزة إلى حدٍّ بعيد، وهي غالبًا ما تجعل المريض يدرك أن ما يحدث ليس مشكلة بولية عادية:
- خروج غازات مع البول: إحساس بفقاعات هواء أثناء التبول أو صوت خروج غازات من مجرى البول، وهو من العلامات الدالة التي تدفع المريض عادةً إلى طلب التقييم.
- خروج مادة برازية مع البول: تعكّر البول وتغيّر رائحته أو ظهور جزيئات برازية فيه.
- تسرب البول من فتحة الشرج: خروج بول أثناء التبرز أو بشكل مستمر بحسب حجم الناسور وموضعه.
- التهابات بولية متكررة: التهابات لا تستجيب للعلاج المعتاد أو تعود سريعًا بعده، وقد يصاحبها ألم وحرقة.
- ألم في العجان أو أسفل الحوض، وأحيانًا ألم عند التبرز.
- أعراض عامة: حرارة وقشعريرة وتعب، وقد تتطور إلى إنتان (تسمم الدم) في الحالات المهملة أو مع انسداد في تصريف البول.
وقد تبدأ الأعراض بعد أيام أو أسابيع من الجراحة المسبّبة، بينما قد تتأخر شهورًا أو سنوات بعد العلاج الإشعاعي أو العلاجات الحرارية والتبريدية.
الأسباب وعوامل الخطر
علاج سرطان البروستات هو السبب الأكثر شيوعًا اليوم. ويشمل ذلك الاستئصال الجذري للبروستات (وخاصةً عند حدوث إصابة في جدار المستقيم أثناء العملية)، والعلاج الإشعاعي الخارجي أو الزرع الإشعاعي الموضعي (البذور)، والعلاجات الاستئصالية الحديثة مثل الموجات فوق الصوتية المركّزة عالية الشدة (HIFU) والعلاج بالتبريد (Cryotherapy). كما ترتفع الاحتمالية عند الجمع بين أكثر من علاج — مثل إشعاع يتبعه تدخل جراحي أو استئصالي — لأن كل علاج إضافي يقلل من مرونة الأنسجة وتروية الدم فيها.
ومن الأسباب الأخرى:
- إجراءات وجراحات الحوض: جراحة المستقيم أو الحوض، وأخذ عينات البروستات عبر المستقيم في حالات نادرة، وبعض عمليات ترميم مجرى البول.
- رضوض الحوض: كسور الحوض المصحوبة بإصابة الإحليل، والإصابات النافذة.
- الأمراض الالتهابية والمعوية: داء كرون والتهاب الرتوج والخرّاجات العميقة في الحوض.
- أسباب أقل شيوعًا: الأورام المتقدمة موضعيًا، والالتهابات الشديدة، والتشوهات الخلقية.
لماذا يُعد التفريق بين الناسور المُشعَّع وغير المُشعَّع محوريًا؟
هذه ليست تفصيلة أكاديمية، بل هي النقطة التي تُبنى عليها الخطة العلاجية كلها. فالناسور غير المُشعَّع — كالذي ينشأ عن إصابة مباشرة في المستقيم أثناء الجراحة — يقع غالبًا في أنسجة سليمة التروية، ويكون محدود الحجم، وتكون فرص إغلاقه بإصلاح مباشر أعلى وأكثر قابلية للتوقع.
أما الناسور المُشعَّع أو الناشئ بعد العلاجات الاستئصالية فيختلف جوهريًا: فالإشعاع يُحدث تليفًا مزمنًا وضعفًا في الأوعية الدقيقة يستمر سنوات، ما يعني أنسجةً هشة ضعيفة الالتئام، وناسورًا أكبر حجمًا في الغالب، وكثيرًا ما يترافق مع مشكلات مصاحبة مثل تضيق مفاغرة عنق المثانة أو تلف المثانة الإشعاعي أو سلس البول بعد استئصال البروستات. ولهذا تحتاج هذه الحالات عادةً إلى تحويل مؤقت للبول والبراز، وإلى إدخال نسيج حيّ سليم التروية بين الجهازين أثناء الإصلاح — وهو ما يُعرف بـالسديلة الفاصلة — كما أن احتمال الحاجة إلى تحويل دائم يبقى مطروحًا في جزء من الحالات.
التشخيص
يبدأ التقييم بالتاريخ المرضي المفصّل، مع تركيز خاص على العلاجات السابقة للبروستات وتوقيتها ونوعها، لأن ذلك يحدد مسار العلاج لاحقًا. ثم يُستكمل التقييم بما يلي بحسب الحالة:
- تنظير المثانة والإحليل (منظار المثانة) لتحديد موضع فتحة الناسور في مجرى البول وقياسها تقريبًا، وتقييم حالة الإحليل وعنق المثانة وجدار المثانة.
- تنظير المستقيم لتقييم الفتحة من الجهة الأخرى وحالة نسيج المستقيم، وهو تقييم يجريه عادةً جراح القولون والمستقيم ضمن الفريق.
- التصوير الشعاعي الظليل: صورة المثانة الظليلة أثناء التبول (تصوير المثانة والإحليل أثناء التبول) أو الصورة الظليلة الراجعة للإحليل، لإظهار مسار الصبغة من مجرى البول إلى المستقيم وتحديد اتجاه الناسور وطوله.
- التصوير المقطعي أو الرنين المغناطيسي للحوض لتقييم ما حول الناسور: تجمعات صديدية، خرّاجات، تليف إشعاعي، وحالة الأنسجة المجاورة التي قد تُستخدم لاحقًا في الترميم.
- تحليل البول ومزرعة البول وتقييم وظائف الكلى، إضافةً إلى استبعاد عودة الورم بالخزعة عند وجود شك سريري — فبعض النواسير في هذا السياق تكون علامة على نشاط ورمي وليست مجرد مضاعفة علاجية.
خيارات العلاج
يسير العلاج عادةً على مراحل، ولا يُنصح بالتسرع إلى الإصلاح الجراحي قبل تهيئة الأنسجة والمريض:
١. السيطرة على العدوى والالتهاب أولًا. تُعالج الالتهابات البولية والخرّاجات وتُصرَّف التجمعات، وتُصحَّح الحالة العامة والتغذية، ويُنصح بإيقاف التدخين. وهذه المرحلة ليست تأجيلًا للعلاج بل جزء أساسي منه، إذ يقل احتمال نجاح أي إصلاح يُجرى في نسيج ملتهب.
٢. تحويل مسار البول والبراز عند الحاجة. يشمل ذلك القسطرة فوق العانة (القسطرة فوق العانة) أو القسطرة البولية لتفريغ المثانة بعيدًا عن الناسور، وفي كثير من الحالات — خاصةً المُشعَّعة أو الكبيرة أو المصحوبة بإنتان — يُجرى فتح قولوني مؤقت لتحويل البراز. والهدف هو إراحة المنطقة تمامًا وإتاحة فرصة لهدوء الالتهاب على مدى أسابيع إلى أشهر. وقد يُغلق الناسور الصغير غير المُشعَّع تلقائيًا لدى بعض المرضى بهذا التحويل وحده، وإن كان ذلك غير مضمون ولا يُعوَّل عليه في الحالات المعقدة.
٣. الإصلاح الترميمي المؤجل. يُجرى إصلاح الناسور بين المستقيم ومجرى البول بعد استقرار الالتهاب، ويُختار المدخل الجراحي — العجاني في الغالب، أو غيره بحسب الحالة — وفق موضع الناسور وحجمه وحالة الأنسجة. ويقوم المبدأ الأساسي على فصل الجهازين وإغلاق كل فتحة على حدة، ثم وضع نسيج حيّ فاصل بينهما — وأكثر ما يُستخدم لذلك عضلة الفخذ الرقيقة (Gracilis) — لمنع التصاق الخطين وعودة الناسور، وهو ما يوصى به عادةً في الحالات المُشعَّعة والمعقدة والمتكررة. وتشير سلاسل جراحية منشورة إلى نجاح إغلاق النواسير غير المُشعَّعة في نحو ٨٠–٩٥٪ من الحالات على مدى متابعة متوسطة، بينما تكون النسب أقل وأكثر تفاوتًا في الحالات المُشعَّعة، وقد تحتاج بعضها إلى أكثر من مرحلة جراحية.
٤. التحويل الدائم في حالات مختارة. عندما تكون الأنسجة متضررة بشدة، أو تكون المثانة قد فقدت وظيفتها، أو تتكرر النواسير رغم الإصلاح، قد يكون تحويل مسار البول (تحويل البول) — مع أو دون تحويل دائم للبراز — هو الخيار الذي يعيد للمريض نوعية حياة مقبولة ويوقف الالتهابات المتكررة. وهذا قرار يُناقَش بصراحة وبالتفصيل مع المريض قبل اتخاذه، مع توضيح ما يترتب عليه من مضاعفات محتملة للتحويل البولي.
وتقع هذه الحالة في نطاق الجراحة الترميمية المتقدمة، ويُنصح بأن تُدار في مركز معتاد على هذا النوع من الجراحة الترميمية وضمن فريق متعدد التخصصات، لأن كل محاولة إصلاح غير ناجحة تزيد التليف وتضيّق الخيارات المتاحة لاحقًا.
متى تزور الطبيب
راجع الطبيب دون تأخير إذا لاحظت خروج غازات أو مادة برازية مع البول، أو تسرب بول من فتحة الشرج، أو التهابات بولية متكررة بعد علاج للبروستات — فهذه الأعراض تستدعي تقييمًا مختصًا ولا تُعالج بمضادات حيوية متكررة وحدها.
أما الحالات التالية فتستدعي مراجعة طارئة فورية: حرارة مرتفعة مع قشعريرة أو ارتجاف، أو ألم شديد في العجان أو أسفل البطن، أو تورم واحمرار وانتفاخ في منطقة العجان أو كيس الصفن، أو توقف عن التبول، أو هبوط في الضغط وتشوّش في الوعي — فقد تدل هذه العلامات على عدوى منتشرة أو إنتان يحتاج تدخلًا عاجلًا. والتقييم المبكر في هذه الحالة لا يخفف الأعراض فحسب، بل يحافظ على الأنسجة التي سيعتمد عليها الإصلاح لاحقًا.
المصادر والمراجع
آخر مراجعة: